محمد جواد مغنيه

260

الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة

بقاءهم فهو منهم ، ومن كان منهم فهو في النار . فذهب صفوان ، وباع جماله عن آخرها ، فبلغ ذلك الرشيد ، فدعاه ، وقال له : يا صفوان بلغني أنك بعت جمالك . قال : نعم ، قال : ولم ؟ قال : أنا شيخ ، والغلمان لا يفون بالأعمال . قال : هيهات هيهات . . . إني لأعلم من أشار عليك بذلك ، أشار عليك موسى بن جعفر . قال : ما لي ، ولموسى بن جعفر ؟ قال : دع عنك هذا ، واللّه لولا حسن صحبتك لقتلتك » . وكتب المنصور إلى الإمام الصادق : لم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فأجابه الإمام : ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه ، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك به ، ولا أنت في نعمة فنهنيك ، ولا في نقمة فنعزيك . فكتب إليه المنصور ثانية : تصحبنا لتنصحنا . فأجابه الإمام : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك . فقال المنصور : واللّه لقد ميز عندي منازل الناس من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة لا الدنيا . وأحاديث الإمامية في هذا الباب لا يبلغها الإحصاء ، وفيها نجد السر لابتعاد كبار العلماء ومراجع الدين في النجف عن السياسة ورجال الحكم ، فلقد توارثوا ذلك خلفا عن سلف من الأئمة الأطهار . قاطع المخلصون من علماء الإمامية الحاكمين ، وأفتوا بتحريم العمل عندهم ، ولم يستثنوا إلا ما فيه نفع للمؤمنين ، ودفع الحيف والظلم عن المظلومين ، ولم يكتفوا بذلك ، بل أفتوا بأشياء تتصل مباشرة بأعمال الحاكم ، فلقد اشترطوا العدالة في إمام الجمعة والجماعة ، وكان الحاكم - في الغالب - يؤم الناس في الصلاة ، ولازم هذا الشرط أن صلاة المؤتمين به باطلة لا يتقبلها اللّه ، مع علمهم بفسق الإمام وجوره ، هذا إلى أن شرط العدالة يشعر بأن القيادة في كل شيء لا تصلح مع الأمانة والإخلاص . وأفتوا أيضا بتحريم الغناء واستعمال آلات الطرب ، والصيد للهو ، وما إلى ذلك مما كان يتعاطاه الحاكمون . وبهذا يتبين أن مبدأ التشيع يلازم الثورة على الفساد والظلم ، فلا بدع إذا كان اضطهاد الشيعة من الشغل الشاغل لكل حاكم جائر . الولاة وشيوخ السوء : كان الولاة ينهبون الأموال ، ويستعبدون الأحرار ، ويملئون السجون